الطبراني
425
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : لا جَرَمَ ؛ قيل : معنى ( لا جَرَمَ ) : لا بدّ ، ويقال : لا محالة ، ويقال : حقا ، قال سيبويه : ( لا جرم بمعنى حقّا ) « 1 » . وقال الزجّاج : ( لا بقاء لما ظنّوا أنّه ينفعهم ) كأنه قال : لا ينفعهم ذلك جرم ، أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ( 22 ) ؛ أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران ، وجرم معناه : كسب ، وذلك كقوله : لا يَجْرِمَنَّكُمْ « 2 » . قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 23 ) ؛ الإخبات : الخشوع والتواضع والطّمأنينة ؛ أي تواضعوا وخشعوا لربهم . وقال مجاهد : ( اطمأنوا ) ، وقال قتادة : ( أنابوا ) . وهذه الآية نازلة في أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما قبلها نازل في المشركين . ثم ضرب اللّه مثلا في الفريقين فقال : قوله تعالى : * مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ ؛ يعني الكفار ، وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ؛ يعني المؤمنين ؛ لأنّهم سمعوا الحقّ وأبصروه واتّبعوه . قوله تعالى : هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ؛ أي هل يستوي الأعمى والأصمّ والبصير والسميع عند عاقل ، كما لا يستويان عند أحد من العقلاء ، فكذلك لا يستوي حال المؤمن والكافر عند اللّه في الدّنيا والآخرة ، أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 24 ) ؛ أي أفلا تتّعظون بأمثال القرآن . قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 25 ) ابتدأ بذكر أوّل رسول جاء بالشريعة بعد آدم عليه السّلام وهو نوح عليه السّلام ، أوّل من جاء بتحريم الأمّهات والأخوات ، وقوله تعالى : ( إِنِّي لَكُمْ ) من فتح الألف كان التقدير : أرسلنا نوحا بأنّي لكم ، ومن كسر فتقديره ليقول : إنّي لكم .
--> ( 1 ) قال سيبويه معناه في كتاب سيبويه : ج 3 ص 138 . وفي معاني القرآن وإعرابه : ج 3 ص 37 ؛ قال الزجاج : ( ومعنى ( لا ) نفي لما ظنّوا أنه ينفعهم ، كأن المعنى : لا ينفعهم ذلك جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ) . ( 2 ) المائدة / 2 .